القمـــــر الأحــــمــر
هي مدونة عطرها عربي ونسيمها شرقي وأصلها مغربي وما فيها كوني ..البرحلي خالد

دمـــعة عــراقيـة ..

 

أن تسهل الليل, يعني أن تلتقي بأناس لن تلتقيهم في النهار .. أناس عشقوا اليل حيث يسهرون معه وينصتون لسكونه ويجالسون  وحدتهم في ظلامه ..

هؤلاء الناس يهربون من ضجيج النهار وصخبه وتناقضاته الى رومنسيت اليل وضوء قمره وتلأ لؤ نجومه البعيدة ..

حينما تلتقي بواحد من هؤلاء الساهرين تشعر وكأنهم وضعوا لليل قدسيته الخاصة .. ففيه وحده يمكن للجراح أن تفتح من جديد مهما كانت مؤلمة وقاسية وجارحة وربما قاتلة ..

في الليل يمكن أن تسمع حكايات وتنصت لقصص وتحس بآلام  تكون تائهة في النهار .. هدا هو اليل وهؤلاء هم ناسه الدي تجدهم متسمرين أمام حواسبهم يبحثون عن أمكنة وزوايا ليبعثرو حزنهم فيها .. حزن سكون الليل هو الدي يجعله يخرج ويطل بإستحياء على صاحبه ..

شهد من بين هؤلاء .. شابة عراقية الهوى والمحتوى , غادرت بلاد الرافدين قبل الغزو الامريكي بسنة ونصف السنة وإلتحقت بإحدى جامعات السويد لغتمام دراستها ..

مند داك العهد لم تعد شهد للعراق ولا لترابه  .. مند داك العهد بينها وبين عائلتها هاتف يرن كل أسبوع يحمل حزنا وشوقا والما وجرحا لم يندمل ..لن يندمل ..

تحكي لي شهد في ليلة بلا قمر عن غربتها وعن برد السويد وعن حر العراق الدي مازال يدفىء قلبها ..

ليس من الضروري أن تسأل شهد عن شيء لتبدا في الحكي عنه فقط كن مستعدا لسماعها وهي بعفوية ستكسر الحاجز الوهعمي بين الزمان والمكان وتدفن رغبتها في الصمت لتبدأ الحديث ..

الوقت قرب من منتصف اليل وشهد تطلب دقيقة لتحضر فنجان قهوة وتعود لي .. فنجان قهوة في منتصف الليل ! لا بد أن تشهد تصر على طرد  الون الدي ربما بدأ يداعب جفونها ..شهد تريد أن تبقي صاحية لتحكي وتشهر بما تحكيه .. فهي لا تريد الإختباء من حزنها بالرغم من أن هدا الحزن كان يلزمها الصمت طويلا  لكي تعود للحديث من جديد ..

تحكي شهد عن أسرتها وتدكر أسماءهم واحدا واحد  كانها ترفض أن تنساهم مع مرور الزمن وعد المسافة .. تحكي عن العراق وعن زقاق بغداد وعن رائحة التراب قرب دجلة ...تحكي عن الصيف في بغداد .. عن أيام العيد وعن هدية خطيبها يوم الخطبة ..

تصمت قليلا وكان فوضى حلت بداخلها فورما أتت على دكر الخطيب .. تشتعل نار صرفتها لكلمات وأحرف حينما تقول .. كنت جالسة دات يوم أشاهد قناة " الجزيرة " كان دلك بعد الغزو بسنة حينها كانت هده القناة تبث برنامجا عن العراقيين الدي يجندهم الإحتلال من أجل الخدمة العسكرية, حينها رأيت ما لم أتوقعه يوما .. خطيبي  الدي يكره الامريكيين ويكره الإحتلال  والدي كنا معا في الجامعة نصرخ وننادي بالقومية العربية والحرية للمواطن العربي أينما وجد ها هو اليوم يضع الصف لكي سيجل في جيش يشرف عليه المحتل .. شاهدت المنظر وبقرب صورته كانت والدتي تحدثه , حينها لم اتمالك نفسي وإرتميت على جهاز التلفاز وعانقته بقوة .. حضنته بيدي وضممته لصدري كأني اضمهم هم .. وكأني وجدت الصدر الدي لطالما إنتظرت أن أبكي عليه .. بكيت بحرقة على حال شاب بعزته دله الإحتلال وأجبره أن يبحت عن لقمة العيش أولا وأخيرا أما عقله وفكره فليرمه في أول سطل قمامة أمامه ..

صعب ان لا ترى عائلتك الا  في صور عابرة على القنواة .. صعب أن ترى خطيبك يمد يديه للغحتلال مكرها .. صعب .. صعب ..

هكدا تحدثث شهد وكانها تحاول التكفير عن دنوب لم تقترفها وقساوة لم تهضمها .. وهي تشاهد غربان الموت تنهش في جسد بلدها ..

تحدث شهد طويلا .. طويلا جدا .. كانت الساعة متأخرة من الليل لكنها لم ترد أن تنفصل عن ما بدأته ..لكنها تعود لتقول أن الالم شرط الغربة ..ان تكون بعيدا عن أهلك وناسك وأحبابك فلا بد أن تقبل الألم وتتعود عليه ..

ينتهي كلام شهد لكن لم ينتهي الجرح الغائر الدي يصيبها ويصيب كل عراقي وهو يشاهد جزءا من تاريخه يمحى .. يكسر ..ويطوى للأبد.

الــقــمــــر الأحــــمـــر

 

 

(5) تعليقات

مركب الرحيل ..

سأرحل بعيدا ...

قالتها بحروف تمتزج برائحة الإعتدار  وبطعم القلق  ولوعة الفراق ...

قالتها على عجل وكأنها تريد إنهاء  هدا الوداع بلا حكاية تبقى في الداكرة .. بلا صورة تجعل لها الأيام يوم ودكرى وعيد ميلاد ..

  سأرحل .. هي الكلمة الوحيدة التي سمعتها  وما تبقى من حديثها كان مجرد شفاه تتحرك أراها دون أن أسمعها ..

في  هده اللحظة صرت خارج التاريخ والجغرافية .. حيث للألم حرقته .. حيث للحسابات أخطاؤها .. حيث لا حدود لأي مساحة ولا أفق .. حيث السواد  يعلمك لعبة النسيان مرغما ..

قالت أنها راحلة .. سمعتها وإكتفيت بالصمت .. لم أسألها لما ..  لم أبحث في عيونها عن السبب ..لم أحاول حتى لومها وإحراج قلبها على البوح  ..على  وضع  نقطة نهاية حب خارج قوانين العشق  ودساتيره ..

فقط كنت أجيبها بدون أحرف  ولا كلمات ..فلغة الصمت كانت هي جوابي .. صمت ليس بالقاتل لكن فيه لوعة السؤال الحارق ...سؤال يهمس بسكون وهو يبعثر نفسه و يصرخ .. كيف يمكن قتل الداكرة يا ترى ؟؟

كيف نؤثت الفراغ الدي سيتركه من أحببنا ؟؟ كيف ؟؟

كيف ننسى ما لا ينسى ؟؟ كيف ؟؟

كيف سننام بعد اليوم  وقد صرنا كالسجين الدي حرم من كل شيء إلا نعمة النسيان ؟؟

وكم من الوقت يلزمنا لنشفى من جرح أثره لا يزول ؟؟

نظرت إليها نظرة أخيرة وأجبتها بلغة ناطقة هده المرة وكأني طائر فينق إنبعت من رماده لتو ..

 لملمت كلماتي وقلت لها .. سأقتلك من حاضر داكرتي لكني لن أقتلك من ماض قلبي .. فحبك هو ملكي أنا .. ربيته في قلبي ..كبر ونمى وكنت شاهدا عليه ..به سأحمي الحاضر من الماضي .. به سأعوض رحيلك .. 

سأمنحه  إهتمامي ويمنحني نسيانك .. فإرحلي فبعد رحيلك هناك حياة وليست هناك نهاية ..  إرحلي فليس لكل رحيل سبب وليس لكل حب نهاية.

 الــقـــمــــــــر الاحــــــمـــــر

 

(2) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية